محمد جمال الدين القاسمي

191

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

شخص واحد يقلد رجلا في جميع أقواله ويخالف من عداه من الصحابة بحيث لا يرد من أقواله شيئا ولا يقبل من أقوالهم شيئا . وهذا من أعظم البدع وأقبح الحوادث . وأما مخالفتهم لأئمتهم فإن الأئمة نهوا عن تقليدهم وحذروا منه . كما تقدم ذكر بعض ذلك عنهم وضبطها والنظر فيها وعرضها على القرآن والسنن الثابتة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأقوال خلفائه الراشدين . فما وافق ذلك منها قبلوه ودانوا اللّه تعالى به . وقبضوا به وأفتوا به . وما خالف ذلك منها لم يلتفتوا إليه وردوه . وما لم يتبين لهم كان عندهم من مسائل الاجتهاد التي غايتها أن تكون سائغة الاتّباع لا واجبة الاتّباع . من غير أن يلزموا بها أحدا ولا يقولوا إنها الحق دون ما خالفها . هذه طريقة أهل العلم سلفا وخلفا . وأما هؤلاء الخلف فعكسوا الطريق وقلبوا أوضاع الدين . فزيفوا كتاب اللّه سبحانه وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم وأقوال خلفائه وجميع أصحابه ، وعرضوها على أقوال من قلدوه ، فما وافقها منها قالوا : لنا ؛ وانقادوا له مذعنين . وما خالف أقوال متبوعهم منها قالوا : احتج الخصم بكذا وكذا . ولم يقبلوه ولم يدينوا به . واحتال فضلاؤهم في ردها بكل ممكن . وتطلبوا لها وجوه الحيل التي يرونها . حتى إذا كانت موافقة لمذهبهم ، وكانت تلك الوجوه بعينها قائمة فيها ، شنعوا على منازعهم وأنكروا عليهم ردها بمثل تلك الوجوه بعينها . وقالوا : لا تردّ النصوص بهذا . ومن له همة تسمو إلى اللّه ومرضاته ، ونصر الحق الذي بعث به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أين كان ومع من كان ، لا يرضى لنفسه بمثل هذا المسلك الوخيم والخلق الذميم . انتهى . الثالث - إن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ أي فوّضوا علمه إلى اللّه واسكتوا عنه ولا تتعرضوا له ؟ وأيضا ، لم لا يجوز أن يكون المراد فردوا هذه الأحكام إلى البراءة الأصلية ؟ قلنا : أما الأول فمدفوع . وذلك لأن هذه الآية دلت على أنه تعالى جعل الوقائع قسمين : منها ما يكون حكمها منصوصا عليه . ومنها ما لا يكون كذلك . ثم أمر في القسم الأول بالطاعة والانقياد . وأمر في القسم الثاني بالاجتهاد فيه ، وهو الرد إلى اللّه وإلى الرسول . ولا يجوز أن يكون المراد بهذا الردّ السكوت ، لأن الواقعة ربما كانت لا تحتمل ذلك . بل لا بد من قطع الشغب والخصومة فيها ، بنفي أو إثبات . وإذا كان كذلك امتنع حمل الرد إلى اللّه ، على السكوت عن تلك الواقعة . وأما السؤال الثاني - فجوابه أن البراءة الأصلية معلومة بحكم العقل . فلا يكون رد الواقعة إليها ردا إلى اللّه بوجه من الوجوه . أما إذا رددنا حكم الواقعة إلى الأحكام المنصوص عليها ، كان هذا ردا للواقعة على أحكام